علي أحمدي ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )
120
سيد قطب
--> - « الظلال » من مادّة غنيّة في حقلي التفسير والسيرة . وبالقياس كذلك على مساحات الأخذ والعطاء الواسعة بين « الظلال » وبين كتاب قيّم آخر أُتيح له أن يرى النور ، وأن يعلب دوره كذلك في الختم على مصير سيّد بما يضعه في صفّ الشهداء إن شاء اللَّه ، وهو كتاب « معالم على الطريق » . وثمّة ما يتحتّم أن يُشار إليه هنا ، وهو أنّ سيّد في القسم الأوّلالمنشور من كتابه « خصائص التصوّر الإسلامي ومقوّماته » والذي يبلور فيه الخصائص الأساسية للتصوّر الإسلامي ، إنّما يريد في الوقت نفسه الرؤية الإسلامية لتفسير التاريخ ، ويضع الكثير من أُسسها النظرية ، قبل أن يدلف في القسم الثاني غير المنشور إلى الموضوع ، فيمسّه عن قريب . مهما يكن من أمر ، فإنّنا نجد في النصّ السابق تأكيداً على إحدى المقولات الأساسية في التفسير الإسلامي للتاريخ ، ترتبط بمنهج التفسير وتكتسب أهميتها من هذا الارتباط ، تلك هي أنّ القرآن الكريم يطرح لأوّل مرّة في حقل الفكر التاريخي عبر مسيرته الطويلة مسألة الارتباط المحتوم بين المقدّمات والنتائج في مجرى الوقائع التاريخية ، وأنّ حركة التاريخ لا تمضي عبثاً وعلى غير هدى ، وإنّما تحكمها سُنن ونواميس وقوانين ترتّب المصائر على اجتماع حشد من الوقائع والأحداث ، وتجعل من توجّه الفعل التاريخي بهذا الاتّجاه أو ذاك أمراً محتوماً . ليس ثمّة عشوائية في مجرى التحقّق التاريخي ، إنّما هنالك النهايات التي تترتّب بالحقّ والقسطاس على بداياتها القريبة والبعيدة ، ويكون الجزاء دائماً من جنس العمل ، فلا تطيش السهام ، ولا يغدو التاريخ مسرحاً عبثياً يقوم اللّامعقول بدور البطولة فيه . إنّ أحداً من روّاد الفكر التاريخي لم يقل بهذا من قبل كتاب اللَّه المُعجِز ، على كثرة ما كُتِبَ من دراسات تاريخية وما دُبَّج من أبحاث ومطوّلات ، وإنّ أحداً من روّاد الفكر التاريخي لم يقل بهذا بعد مرور عدّة قرون على تأكيدات القرآن . ولقد جاء ابن خلدون لكي يقول هذا في « مقدّمته » ، ولكن متى ؟ بعدما يقرب من ثمانية قرون ، وهو لشدّة دهشته لاكتشاف ناموسيّة الحركة التاريخيّة من بين رفاق البحث التاريخي عبر القرون ، لم يُشِر إلى أنّ القرآن الكريم هو الذي فتح الطريق وأشار في حشود آياته البيّنات إلى هذه الحقيقة الخطيرة في تحليل الصيرورة التاريخية . -